الحمد لله رب العالمين، الهادي من يشاء إلى صراط مستقيم، المستحق الشكر من عباده بإخراجه إياهم من العدم إلى الوجود، وتصويره إياهم في أحسن الصور، وإسباغه عليهم النعم ظاهرة وباطنة لا يحصيها العدد على طول الأمد، كما قال عز وجل: (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها) ((2))، وبما دلهم عليه وأرشدهم إليه من العلم بربوبيته، والإقرار بوحدانيته، بالعقول الزكية، والحكمة البالغة، والصنعة المتقنة، والفطرة الصحيحة، والصبغة الحسنة، والآيات الباهرة، والبراهين الظاهرة، وشفعه ذلك ببعثه إليهم الخيرة من خلقه رسلا مصطفين، مبشرين ومنذرين، دالين هادين، مذكرين ومحذرين، ومبلغين مؤدين، بالعلم ناطقين، وبروح القدس مؤيدين، وبالحجج غالبين، وبالآيات لأهل الباطل قاهرين، وبالمعجزات لعقول ذوي الألباب باهرين، أبانهم من خلقه بما أولاهم من كرامته، وأطلعهم على غيبه، ومكنهم فيه من قدرته، كما قال عز وجل: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) ((1)) ترفعا لأقدارهم، وتعظيما لشأنهم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولتكون حجة الله عليهم تامة غير ناقصة. والحمد لله الذي من علينا بمحمد سابق بريته إلى الإقرار بربوبيته، وخاتم أصفيائه، إنذارا برسالته، وأحب أحبائه إليه، وأكرم أنبيائه عليه، وأعلاهم رتبة لديه، وأخصهم منزلة منه، أعطاه جميع ما أعطاهم، وزاده أضعافا على ما أتاهم، وأحله المنزلة التي أظهر بها فضله عليهم، فصيره إماما لهم، إذ صلى في سمائه بجماعتهم، وشرف مقامه على كافتهم، وأعطاه الشفاعة دونهم، ورفعه مستسيرا إلى علو ملكوته ((2)) حتى كلمه في محل جبروته بحيث جاز مراتب الملائكة المقربين، ومقامات الكروبيين والحافين. وأنزل عليه كتابا جعله مهيمنا على كتبه المتقدمة، ومشتملا على ما حوته من العلوم الجمة وفاضلا عليها بأن جعله كما قال تعالى: (تبيانا لكل شئ) ((3)) لم يفرط فيه من شئ، فهدانا الله عز وجل بمحمد (صلى الله عليه وآله) من الضلالة والعمى، وأنقذنا به من الجهالة والردى، وأغنانا به وبما جاء به من الكتاب المبين، وما أكمله لنا من الدين، ودلنا عليه من ولاية الأئمة الطاهرين الهادين - عن الآراء والاجتهاد، ووفقنا ((1)) به وبهم إلى سبيل الرشاد. صلى الله عليه وعلى أخيه أمير المؤمنين تاليه في الفضل، ومؤازره في اللأواء والأزل ((2))، وسيف الله على أهل الكفر والجهل، ويده المبسوطة بالإحسان والعدل، والسالك نهجه في كل حال، والزائل مع الحق حيث ما زال، والخازن علمه، والمستودع سره، الظاهر على مكنون أمره، وعلى الأئمة من آله الطاهرين، الأخيار الطيبين الأبرار. معادن الرحمة، ومحل النعمة، وبدور الظلام، ونور الأنام، وبحور العلم، وباب السلام الذي ندب الله عز وجل خلقه إلى دخوله، وحذرهم النكوب عن سبيله حيث قال: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) ((3)) أفضل صلواته وأشرفها، وأزكاها وأنماها، وأتمها وأعلاها وأسناها، وسلم تسليما كثيرا كما هو أهله وكما محمد وآله (عليهم السلام) أهله منه. أما بعد: فإنا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى التشيع، المنتمية إلى نبيها محمد وآله صلى الله عليهم - ممن يقول بالإمامة التي جعلها الله برحمته دين الحق، ولسان الصدق، وزينا لمن دخل فيها، ونجاة وجمالا لمن كان من أهلها، وفاز بذمتها، وتمسك بعقدتها، ووفى لها بشروطها، من المواظبة على الصلوات، وإيتاء الزكوات، والمسابقة إلى الخيرات، واجتناب الفواحش والمنكرات، والتنزه عن سائر المحظورات، ومراقبة الله تقدس ذكره في الملأ والخلوات، وتشغل القلوب وإتعاب الأنفس والأبدان في حيازة القربات -، قد تفرقت كلمها، وتشعبت مذاهبها، واستهانت بفرائض الله عز وجل، وخفت ((1)) إلى محارم الله تعالى، فطال بعضها علوا، وانخفض بعضها تقصيرا، وشكوا جميعا إلا القليل في إمام زمانهم، وولي أمرهم، وحجة ربهم التي اختارها بعلمه، كما قال جل وعز: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) ((2)) من أمرهم للمحنة الواقعة بهذه الغيبة التي سبق من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكرها، وتقدم من أمير المؤمنين (عليه السلام) خبرها، ونطق في المأثور من خطبه والمروي عنه من كلامه وحديثه، بالتحذير من فتنتها، وحمل أهل العلم والرواية عن الأئمة من ولده (عليهم السلام) واحدا بعد واحد أخبارها حتى ما منهم أحد إلا وقدم القول فيها، وحقق كونها، ووصف امتحان الله تبارك وتعالى اسمه خلقه بها بما أوجبته قبائح الأفعال ومساوئ الأعمال، والشح المطاع، والعاجل الفاني المؤثر على الدائم الباقي، والشهوات المتبعة، والحقوق المضيعة التي اكتسبت سخط الله عز وتقدس، فلم يزل الشك والارتياب قادحين في قلوبهم - كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلامه لكميل بن زياد في صفة طالبي العلم وحملته: " أو منقادا لأهل الحق لا بصيرة له، ينقدح الشك في قلبه ((3)) لأول عارض من شبهة - حتى أداهم ذلك إلى التيه والحيرة والعمى والضلالة، ولم يبق منهم إلا القليل النزر الذين ثبتوا على دين الله، وتمسكوا بحبل الله، ولم يحيدوا عن صراط الله المستقيم "، وتحقق فيهم وصف الفرقة الثابتة على الحق التي لا تزعزعها الرياح، ولا يضرها الفتن، ولا يغرها لمع السراب، ولم تدخل في دين الله بالرجال فتخرج منه بهم. كما روينا عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: من دخل في هذا الدين بالرجال أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه، ومن دخل فيه بالكتاب والسنة زالت الجبال قبل أن يزول ((1)). ولعمري ما أتي من تاه وتحير وافتتن وانتقل عن الحق وتعلق بمذاهب أهل الزخرف والباطل إلا من قلة الرواية والعلم وعدم الدراية والفهم، فإنهم الأشقياء، لم يهتموا بطلب العلم ولم يتعبوا أنفسهم في اقتنائه وروايته من معادنه الصافية على أنهم لو رووا ثم لم يدروا لكانوا بمنزلة من لم يرووا. وقد قال جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): اعرفوا منازل شيعتنا عندنا على قدر روايتهم عنا وفهمهم منا ((2)). فإن الرواية تحتاج إلى الدراية، وخبر تدريه خير من ألف خبر ترويه. وأكثر من دخل في هذه المذاهب إنما دخل على أحوال: فمنهم من دخله بغير روية ولا علم، فلما اعترضه يسير الشبهة تاه. ومنهم من أراده طلبا للدنيا وحطامها، فلما أماله الغواة والدنيويون إليها مال مؤثرا لها على الدين، مغترا مع ذلك بزخرف القول غرورا من الشياطين الذين وصفهم الله عز وجل في كتابه، فقال: (شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) ((3)). والمغتر به فهو كصاحب السراب الذي يحسبه الظمآن ماء يلمعه عند ظمئه لمعة ماء، فإذا جاءه لم يجده شيئا، كما قال عز وجل ((4)). ومنهم من تحلى بهذا الأمر للرياء والتحسن بظاهره، وطلبا للرئاسة، وشهوة لها وشغفا بها من غير اعتقاد للحق، ولا إخلاص فيه، فسلب الله جماله وغير حاله، وأعد له نكاله. ومنهم من دان به على ضعف من إيمانه، ووهن من نفسه بصحة ما نطق به منه، فلما وقعت هذه المحنة التي آذننا أولياء الله صلى الله عليهم بها مذ ثلاثمائة سنة تحير ووقف، كما قال الله عز وجل من قائل: (كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) ((1))، وكما قال: (كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا) ((2))، ووجدنا الرواية قد أتت عن الصادقين (عليهم السلام) بما أمروا به من وهب الله عز وجل له حظا من العلم، وأوصله منه إلى ما لم يوصل إليه غيره من تبيين ما اشتبه على إخوانهم في الدين، وإرشادهم في الحيرة إلى سواء السبيل، وإخراجهم عن منزلة الشك إلى نور اليقين. فقصدت القربة إلى الله عز وجل بذكر ما جاء عن الأئمة الصادقين الطاهرين (عليهم السلام) من لدن أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى آخر من روي عنه منهم في هذه الغيبة التي عمي عن حقيقتها ونورها من أبعده الله عن العلم بها، والهداية إلى ما أوتي عنهم (عليهم السلام) فيها ما يصحح لأهل الحق حقيقة ما رووه ودانوا به وتؤكد حجتهم بوقوعها، ويصدق ما آذنوا به منها. وإذا تأمل من وهب الله تعالى له حسن الصورة، وفتح مسامع قلبه، ومنحه جودة القريحة، وأتحفه بالفهم وصحة الرواية بما جاء عن الهداة الطاهرين صلوات الله عليهم على قديم الأيام وحديثها من الروايات المتصلة فيها، الموجبة لحدوثها، المقتضية لكونها مما قد أوردناه في هذا الكتاب حديثا حديثا، وروي فيه، وفكر فكرا ممعنا ((1))، ولم يجعل قراءته ونظره فيه صفحا دون شافي التأمل ولم يطمح ببصره عن حديث منها يشبه ما تقدمه دون إمعان النظر فيه والتبيين له، ولما يحوي من زيادة المعاني بلفظة من كلام الإمام (عليه السلام) بحسب ما حمله واحد من الرواة عنه علم أن هذه الغيبة لو لم تكن ولم تحدث مع ذلك ومع ما روي على مر الدهور فيها لكان مذهب الإمامة باطلا، لكن الله تبارك وتعالى صدق إنذار الأئمة (عليهم السلام) بها، وصحح قولهم فيها في عصر بعد عصر، وألزم الشيعة التسليم والتصديق والتمسك بما هم عليه، وقوي اليقين في قلوبهم بصحة ما نقلوه، وقد حذر أولياء الله صلوات الله عليهم شيعتهم من أن تميل بهم الأهواء، أو تزيغ بهم وبقلوبهم الفتن واللأواء في أيامها، ووصفوا ما يشمل الله خلقه به من الابتلاء عند وقوعها بتراخي مدتها، وطول الأمد فيها (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) ((2)). فإنه روي عنهم (عليهم السلام) ما حدثنا به محمد بن همام، قال: حدثنا حميد بن زياد الكوفي، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن سماعة، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الميثمي، عن رجل من أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: سمعته يقول: نزلت هذه الآية التي في سورة الحديد (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) ((3)) في أهل زمان الغيبة، ثم قال عز وجل: (أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون) ((4)) وقال: إنما الأمد أمد الغيبة، فإنه أراد عز وجل: يا أمة محمد، أو يا معشر الشيعة، لا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد، فتأويل هذه الآية جاء في أهل زمان الغيبة وأيامها دون غيرهم من أهل الأزمنة، وإن الله تعالى نهى الشيعة عن الشك في حجة الله تعالى، أو أن يظنوا أن الله تعالى يخلي أرضه منها طرفة عين، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلامه لكميل بن زياد: بلى اللهم لا تخلو الأرض من حجة لله إما ظاهر معلوم، أو ((1)) خائف مغمور، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وحذرهم من أن يشكوا أو يرتابوا فيطول عليهم الأمد فتقسوا قلوبهم. ثم قال (عليه السلام): ألا تسمع قوله تعالى في الآية التالية لهذه الآية: (اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون) أي يحييها الله بعدل القائم عند ظهوره بعد موتها بجور أئمة الضلال ((2)). وتأويل كل آية منها مصدق للآخر وعلى أن قولهم صلوات الله عليهم لا بد أن يصح في شذوذ من يشذ، وفتنة من يفتتن، ونكوص من ينكص على عقبيه من الشيعة بالبلبلة ((3)) والتمحيص والغربلة التي قد أوردنا ما ذكروه (عليهم السلام) منه بأسانيد في باب ما يلحق الشيعة من التمحيص والتفرق والفتنة، إلا أنا نذكر في هذا الموضع حديثا أو حديثين من جملة ما أوردنا في ذلك الباب لئلا ينكر منكر ما حدث من هذه الفرق العاملة بالأهواء، المؤثرة للدنيا. وهو ما أخبرنا به أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة الكوفي، - وهذا الرجل ممن لا يطعن عليه في الثقة ولا في العلم بالحديث والرجال الناقلين له -: قال: حدثنا علي بن الحسن التيملي من تيم الله، قال: حدثني أخواي أحمد ومحمد ابنا الحسن بن علي بن فضال، عن أبيهما، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي كهمس، عن عمران بن ميثم، عن مالك بن ضمرة، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لشيعته: كونوا في الناس كالنحل في الطير، ليس شئ من الطير إلا وهو يستضعفها، ولو يعلم ما في أجوافها لم يفعل بها كما يفعل، خالطوا الناس بأبدانكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم، فإن لكل امرئ ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب، أما إنكم لن تروا ما تحبون وما تأملون - يا معشر الشيعة - حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتى يسمي بعضكم بعضا كذابين، وحتى لا يبقى منكم على هذا الأمر إلا كالكحل في العين، أو كالملح في الطعام، وهو أقل الزاد ((1)). وسأضرب لكم في ذلك مثلا: وهو كمثل رجل كان له طعام قد ذراه وغربله ونقاه وجعله في بيت وأغلق عليه الباب ما شاء الله، ثم فتح الباب عنه فإذا السوس قد وقع فيه، ثم أخرجه ونقاه وذراه، ثم جعله في البيت وأغلق عليه الباب ما شاء الله، ثم فتح الباب عنه فإذا السوس قد وقع فيه، وأخرجه ونقاه وذراه، ثم جعله في البيت وأغلق عليه الباب، ثم أخرجه بعد حين فوجده قد وقع فيه السوس، ففعل به كما فعل مرارا حتى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر ((2)) الذي لا يضره السوس شيئا، وكذلك أنتم تمحصكم الفتن حتى لا يبقى إلا عصابة لا تضرها الفتن شيئا ((3)). وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: والله لتمحصن والله لتطيرن يمينا وشمالا حتى لا يبقى منكم إلا كل امرئ أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه وأيده بروح منه. وفي رواية أخرى، عنهم (عليهم السلام): حتى لا يبقى منكم على هذا الأمر إلا الأندر فالأندر ((1)). وهذه العصابة التي تبقى على هذا الأمر وتثبت وتقيم على الحق هي التي أمرت بالصبر في حال الغيبة. فمن ذلك، ما أخبرنا به علي بن أحمد البندنيجي، عن عبيد الله بن موسى العلوي العباسي، عن هارون بن مسلم، عن القاسم بن عروة، عن بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) في معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) ((2)) قال: اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا عدوكم، ورابطوا إمامكم المنتظر ((3)). وهذه العصابة القليلة هي التي قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لها: لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة من يسلكه ((4)) فيما أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة الكوفي، قال: حدثنا أبو عبد الله جعفر بن عبد الله المحمدي من كتابه في المحرم سنة ثمان وستين ومائتين، قال: حدثني يزيد بن إسحاق الأرحبي - ويعرف بشعر -، قال: حدثنا مخول، عن فرات بن أحنف، عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) على منبر الكوفة يقول: أيها الناس، أنا أنف الإيمان، أنا أنف الهدى وعيناه. أيها الناس، لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة من يسلكه إن الناس اجتمعوا على مائدة قليل شبعها، كثير جوعها، والله المستعان، وإنما يجمع الناس الرضا والغضب. أيها الناس، إنما عقر ناقة صالح واحد فأصابهم الله بعذابه بالرضا لفعله، وآية ذلك قوله عز وجل: (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر * فكيف كان عذابي ونذر) ((1))، وقال: (فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها) ((2)) ألا ومن سئل عن قاتلي فزعم أنه مؤمن فقد قتلني. أيها الناس، من سلك الطريق ورد الماء، ومن حاد عنه وقع في التيه، ثم نزل. ورواه لنا محمد بن همام ومحمد بن الحسن بن محمد بن جمهور، جميعا، عن الحسن بن محمد بن جمهور، عن أحمد بن نوح، عن ابن عليم، عن رجل، عن فرات ابن أحنف، قال: أخبرني من سمع أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذكر مثله، إلا أنه قال: لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله ((3)). وفي قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " من سلك الطريق ورد الماء، ومن حاد عنه وقع في التيه " ((4))، بيان شاف لمن تأمله، ودليل على التمسك بنظام الأئمة، وتحذير من الوقوع في التيه بالعدول عنها والانقطاع عن سبيلها، ومن الشذوذ يمينا وشمالا، والإصغاء إلى ما يزخرفه المفترون المفتونون في دينهم من القول الذي هو كالهباء المنثور وكالسراب المضمحل، كما قال الله عز وجل: (ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) ((1)). وكما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: إياكم وجدال كل مفتون فإنه ملقن حجته ((2)) إلى انقضاء مدته، فإذا انقضت مدته ألهبته خطيئته وأحرقته ((3)). أخبرنا بذلك عبد الواحد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا محمد بن جعفر القرشي، قال: حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: حدثنا محمد بن سنان، عن أبي محمد الغفاري ((4))، عن أبي عبد الله، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذكر الحديث ((5)). وقد جمعت في هذا الكتاب ما وفق الله لجمعه من الأحاديث التي رواها الشيوخ عن أمير المؤمنين والأئمة الصادقين عليهم السلام أجمعين في الغيبة وغيرها مما سبيله أن يضاف إلى ما روي فيها بحسب ما حضر في الوقت، إذ لم يحضرني جميع ما رويته في ذلك لبعده عني وأن حفظي لم يشمل عليه، والذي رواه الناس من ذلك أكثر وأعظم مما رويته ويصغر ويقل عنه ما عندي وجعلته أبوابا صدرتها بذكر ما روي في صون سر آل محمد (عليهم السلام) عمن ليس من أهله، والتأدب بآداب أولياء الله في ستر ما أمروا بستره عن أعداء الدين والنصاب والمخالفين وسائر الفرق من المبتدعين والشاكين والمعتزلة الدافعين لفضل أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله أجمعين المجيزين تقديم المأموم على الإمام، والناقص على التام، خلافا على الله عز وجل حيث يقول: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) ((1)) وإعجابا بآرائهم المضلة وقلوبهم العمية، كما قال الله جل من قائل: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) ((2))، وكما قال تبارك وتعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) ((3)) الجاحدين فضل الأئمة الطاهرين وإمامتهم (عليهم السلام) المحلول في صدورهم لشقائهم ما قد تمكن فيها من العناد لهم بعد وجوب الحجة عليهم من الله بقوله عز وجل: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) ((4)) ومن رسوله (صلى الله عليه وآله) بقوله في عترته: إنهم الهداة وسفينة النجاة، وإنهم أحد الثقلين اللذين أعلمنا تخليفه إياهما علينا والتمسك بهما بقوله: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي حبل ممدود بينكم وبين الله، طرف بيد الله، وطرف بأيديكم، ما إن تمسكتم به لن تضلوا. خذلانا من الله شملهم به استخفافهم ذلك وبما كسبت أيديهم، وبإيثارهم العمى على الهدى، كما قال الله عز وجل: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) ((5))، وكما قال: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) ((6)) يريد عز وجل على علم لعناده للحق، واسترخائه إياه، ورده له، واستمرائه الباطل، وحلوله في قلبه وقبوله له، والله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ((7)). وهم المعاندون لشيعة الحق ومحبي أهل الصدق، والمنكرون لما رواه الثقات من المؤمنين عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وعليهم، الرادون العايبون لهم بجهلهم وشقوتهم، القائلون بما رواه أعداؤهم، العاملون به، الجاعلون أئمتهم أهوائهم وعقولهم وآرائهم دون من اختاره الله بعلمه، حيث يقول: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) ((1))، ونصبه واصطفاه وانتجبه وارتضاه، المؤثرون الملح الأجاج على العذب النمير الفرات، فإن صون دين الله وطي علم خيرة الله سبحانه عن أعدائهم المستهزئين به أولى ما قدم، وأمرهم بذلك أحق ما امتثل. ثم ابتدأنا بعد ذلك بذكر حبل الله الذي أمرنا بالاعتصام به وترك التفرق عنه بقوله: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) ((2)). وما روي في ذلك وأردفناه بذكر ما روي في الإمامة وأنها من الله عز وجل وباختياره، كما قال تبارك وتعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) ((3)) من أمرهم، وأنها عهد من الله وأمانة يؤديها الإمام إلى الذي بعده. ثم ما روي في أن الأئمة (عليهم السلام) اثنا عشر إماما وذكر ما يدل عليه من القرآن والتوراة والإنجيل من ذلك، بعد نقل ما روي من طريق العامة في ذكر الأئمة الاثني عشر. ثم ما روي فيمن ادعى الإمامة، ومن زعم أنه إمام وليس ((4)) بإمام، وأن كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت. ثم الحديث المروي من طرق العامة. ثم ما روي فيمن شك في واحد من الأئمة صلى الله عليهم، أو بات ليلة لا يعرف فيها إمامه، أو دان الله بغير إمام منه. ثم ما روي في أن الله لا يخلي أرضه من حجة. ثم ما روي في أنه لو لم يبق في الأرض إلا اثنان لكان أحدهما الحجة. ثم ما روي في غيبة الإمام (عليه السلام)، وذكر أمير المؤمنين والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين بعده لها، وإنذارهم بها. ثم ما روي في ما أمر به الشيعة من الصبر والكف والانتظار في حال الغيبة. ثم ما روي فيما يلحق الشيعة من التمحيص والتفرق والتشتت عند الغيبة حتى لا يبقى على حقيقة الأمر إلا الأقل. ثم ما روي في الشدة التي تكون قبل قيام القائم (عليه السلام). ثم ما روي في صفته (عليه السلام) وسيرته. ثم ما نزل من القرآن فيه (عليه السلام). ثم ما روي من العلامات التي تكون قبل ظهوره تدل على قيامه وقرب أمره. ثم ما جاء من المنع في التوقيت والتسمية لصاحب الأمر (عليه السلام). ثم ما جاء في ما يلقى القائم منذ قيامه (عليه السلام) فيبتلى من جاهلية الناس. ثم ما جاء في ذكر جيش الغضب وهم أصحاب القائم (عليه السلام) وعدتهم. ثم ما جاء في ذكر السفياني، وأن أمره من المحتوم الكائن قبل قيام القائم (عليه السلام). ثم ما جاء في ذكر راية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنه لا ينشرها بعد يوم الجمل إلا القائم (عليه السلام)، وصفتها. ثم ما جاء في ذكر أحوال الشيعة عند خروج القائم (عليه السلام) وقبله وبعده. ثم ما روي في أن القائم (عليه السلام) يستأنف دعاء جديدا، وأن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ. ثم ما روي في مدة ملك القائم (عليه السلام) بعد ظهوره. ثم ما روي في ذكر إسماعيل بن أبي عبد الله (عليه السلام)، وبطلان ما يدعيه المبطلون الذين هم عن السمع والعلم معزولون. ثم ما روي في أن من عرف إمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أم تأخر. ونحن نسأل الله بوجهه الكريم وشأنه العظيم أن يصلي على الصفوة المنتجبة ((1)) من خلقه، والخيرة من بريته، وحبله المتين، وعروته الوثقى التي لا انفصام لها، محمد وآله الطاهرين، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعل محيانا ومماتنا وبعثنا على ما أنعم به علينا من دين الحق وموالاة أهله الذين خصهم بكرامته، وجعلهم السفراء بينه وبين خلقه، والحجة على بريته، وأن يوفقنا للتسليم لهم والعمل بما أمروا به، والانتهاء عما نهوا عنه، ولا يجعلنا من الشاكين في شئ من قولهم، ولا المرتابين بصدقهم، وأن يجعلنا من أنصار دينه مع وليه، والصادقين في جهاد عدوه حتى يجعلنا بذلك معهم، ويكرمنا بمجاورتهم في جنات النعيم، ولا يفرق بيننا وبينهم طرفة عين أبدا، ولا أقل من ذلك ولا أكثر، إنه جواد كريم.
IsnādAbū al-ʿAbbās Aḥmad b. Muḥammad b. Saʿīd b. ʿUqda al-Kūfī nous a raconté, il dit : Abū ʿAbd Allāh Jaʿfar b. ʿAbd Allāh al-Muḥammadī nous a raconté d’après son livre en muḥarram de l’an 268 H, il dit : Yazīd b. Isḥāq al-Arḥabī — connu sous le nom de Shaʿr — m’a raconté, il dit : Mukhawwal nous a raconté, d’après Furāt b. Aḥnaf, d’après al-Aṣbagh b. Nubāta, il dit : J’ai entendu le Commandeur des croyants (ʿAlī, paix sur lui) sur la chaire de Kūfa dire :
« Ô gens, je suis le nez de la foi, je suis le nez de la guidée et ses deux yeux. Ô gens, ne vous sentez pas seuls sur le chemin de la guidée à cause du petit nombre de ceux qui l’empruntent. Les gens se sont réunis autour d’une table : peu sont rassasiés, beaucoup restent affamés. Et c’est Dieu dont l’aide est implorée. Ce qui rassemble les gens, c’est l’agrément et la colère. Ô gens, ce n’est qu’un seul homme qui a blessé la chamelle de Ṣāliḥ, mais Dieu les a frappés de Son châtiment pour leur agrément de cet acte. Le signe en est la parole de Dieu — à Lui la puissance et la grandeur — : “Ils appelèrent leur compagnon, il prit (l’épée) et la blessa. Quel fut Mon châtiment et Mes avertissements !” Et Il dit : “Ils la blessèrent, alors leur Seigneur les anéantit pour leur péché et la rasa — et Il n’en craint pas les conséquences.” Celui qui, interrogé sur mon meurtrier, prétend être croyant, m’a tué. Ô gens, celui qui emprunte le chemin parvient à l’eau ; celui qui s’en écarte tombe dans l’égarement. » Puis il descendit.

